محمد بن أحمد الفاسي

36

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وكان على ما ذكر ابن أبي خيثمة ، شعف بسلامة [ . . . . ] « 1 » وله فيها أشعار كثيرة ، ثم تاب ورجع إلى عبادته الأولى في كثرة العبادة ، ثم اشتريت له من مولاها ، فلم يقبلها ، وقال : إن اليمين قد سبقت ، أن لا نجتمع في بيت أبدا . وذكر ابن أبي خيثمة : أنه نزل مكة ، وأنه كان من عبّاد أهلها . وذكر الفاكهي شيئا من أخبار القس هذا ومحبوبته ، يحسن ذكره هاهنا . ونص ما ذكره : حدثني محمد بن عبيد الأموي أبو بكر ، عن خلاد بن يزيد ، قال : سمعت شيوخا من أهل مكة ، منهم سليمان يذكرون أن القس كان عند أهل مكة من أحسنهم عبادة وأظهرهم تبتلا ، وأنه مر يوما بسلامة - جارية كانت لرجل من قريش ، وهي التي اشتراها يزيد بن عبد الملك - فسمع غناءها ، فوقف يستمع ، فرآه مولاها ، فدنا منه ، فقال : هل لك أن تدخل فتستمع ؟ فتأبى عليه ، فلم يزل به حتى تسمح ، فقال : أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني ، قال : أفعل ، فدخل ، فتغنت فأعجبته ، فقال مولاها : هل لك أن أحولها إليك ؟ فتأبى ، ثم سمح . فلم يزل يسمع غناءها حتى شغف بها ، وعلم بذلك أهل مكة . فقالت له يوما : أنا واللّه أحبك ، وأحب أن أضع فمي على فمك . قال : وأنا واللّه . قالت : وأحب واللّه أن ألصق صدري بصدرك ، وبطني ببطنك . قال : وأنا واللّه . قالت : فما يمنعك ؟ واللّه إن الموضع خال . قال : إني سمعت اللّه عز وجل يقول : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 43 ] وأنا أن يكون خلة ما بيني وبينك ، تؤول بنا إلى عداوة يوم القيامة . قالت : يا هذا ، أتحسب أن ربى وربك لا يقبلنا إن نحن تبنا إليه ؟ قال : بلى ، ولكن لا آمن أن أفجا ، ثم نهض وعيناه تذرفان ، فلم يرجع بعد ، وعاد إلى ما كان عليه من النسك . وقال الفاكهي أيضا : وحدثني أبو محمد عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد ، قال : حدثنا أبو عبد اللّه محمد بن إسحاق البلخي قال : ثنا محمد بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أبي مليكة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : دخل عبد اللّه بن أبي عمار - وهو يومئذ شيخ أهل الحجاز - على نخاس في حاجة له . قال : فألفاه يعرض قينة ، فعلقها ، فاشتهر بذكرها ، حتى مشى عطاء ، وطاوس ومجاهد ، فأقبلوا عليه باللوم والعدل ، فأنشأ يقول : يلومنى فيك أقوام أجالسهم * فما أبالي أطار اللوم أو وقعا

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين بياض في الأصل .